الخطيب الشربيني
661
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فإن قيل : لم قال تعالى : كَفَرُوا بلفظ الماضي ، وذكر المشركين باسم الفاعل ؟ أجيب : بأنّ أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أوّل الأمر ، لأنهم كانوا مصدّقين بالتوراة والإنجيل وبمبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بخلاف المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وذلك يدل على الثبات على الكفر . وقوله تعالى : حَتَّى أي : إلى أن تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ متعلق بيكن أو بمنفكين ، والبينة الآية التي هي في البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ظهورا وضياء ونورا ، وذلك هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب ، وهو القرآن . وقوله تعالى : رَسُولٌ أي : عظيم جدّا بدل من البينة بنفسه ، أو بتقدير مضاف ، أي : سنة رسول ، أو مبتدأ وزاد عظمته بقوله تعالى واصفا له : مِنَ اللَّهِ أي : الذي له الجلال والإكرام وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه في نفسه بينة وحجة ولذلك سماه الله تعالى سراجا منيرا ، ولأنّ اللام في البينة للتعريف ، أي : هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى عليهم السلام . وقد يكون التعريف للتفخيم ؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة ، وكذا التنكير وقد جمعهما الله تعالى ههنا في حق الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ونظيره : قوله تعالى حين أثنى على نفسه : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ البروج ، الآيتان : 15 - 16 ] فنكر بعد التعريف . وقال أبو مسلم : المراد من البينة مطلق الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء التوراة أو الزبور أو الإنجيل أو القرآن ، وعبر بالمضارع لتجدّد البيان في كل وقت بتجدّد الرسالة والتلاوة . وقال البغوي : لفظه مستقبل ومعناه الماضي ، أي : حتى أتتهم البينة ، وتبعه على ذلك الجلال المحلي . وقوله تعالى : يَتْلُوا صُحُفاً صفة الرسول ، أو خبره والرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كان أمّيا لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها . وقيل : المراد جبريل عليه السلام وهو التالي للصحف المنتسخة من اللوح التي ذكرت في سورة عبس ، ولا بدّ من مضاف محذوف وهو الوحي . والصحف جمع صحيفة وهي : القرطاس ، والمراد ما فيها عبر بها عنه لشدّة المواصلة مُطَهَّرَةً أي : في غاية الطهارة والنزاهة من كل قذر مما جعلنا لها من البعد عن الأدناس بأنّ الباطل من الشرك بالأوثان ، وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها ، وأنها لا يمسها إلا المطهرون . فِيها أي : تلك الصحف كُتُبٌ أي : أحكام مكتوبة قَيِّمَةٌ أي : مستقيمة ناطقة بالحق والعدل الذي لا مرية فيه ليس فيه شرك ، ولا اعوجاج بنوع من الأنواع . وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي : عما كانوا عليه ، وخص أهل الكتاب بالتفرق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين ، لأنهم يظنون بهم علما فإذا تفرّقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف . إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ أي : أتتهم البينة الواضحة ، والمعنيّ به محمد صلى اللّه عليه وسلم أتى بالقرآن موافقا للذي في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته ، وذلك أنهم كانوا مجمعين على نبوته فلما بعث صلى اللّه عليه وسلم جحدوا نبوّته وتفرّقوا ، فمنهم من كفر بغيا وحسدا ومنهم من آمن كقوله تعالى : وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ الشورى : 14 ] . وقال تعالى : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [ البقرة : 89 ] وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق لا تفرّقهم فيه . وقرأ حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف بعد الجيم